حمام السيفيانوس المغربي إرث وطني متجذّر
حمام السيفيانوس المغربي: إرث وطني متجذّر ومحاولات فاشلة لطمس الحقيقة
يُعدّ حمام السيفيانوس المغربي واحدًا من أعرق وأجمل أنواع الحمام التي رافقت المربين المغاربة منذ بداية اهتمامهم بتربية الحمام المنزلي. فهذا النوع لم يكن يومًا ظاهرة طارئة، ولا نتاج تجربة حديثة، بل هو حمام راسخ في الذاكرة الجماعية للمغاربة، حاضر في أغلب المدن والحواضر، ومتشابه في شكله وصفاته العامة مع اختلافات طفيفة لا تمس جوهر السلالة. إنه نوع محلي وجد وتوارثه المربون عبر الأجيال، ولم يتم تحديد أي تاريخ لجَلْبه أو تهجينه من أي مصدر خارجي.
غياب الدليل التاريخي على التهجين
من الضروري التنبيه، وبكل وضوح وموضوعية، إلى أنه لا يوجد أي إثبات تاريخي أو علمي موثوق يحدد فترة ظهور حمام السيفيانوس في المغرب، ولا يوجد كذلك أي دليل يُثبت أنه ناتج عن عملية تهجين كما يدّعي بعض الأشخاص غير المختصين.
فالمنهج العلمي يفرض قاعدة بسيطة:
كل ادعاء بوجود تهجين يجب أن يُدعَم بدليل تاريخي أو تجربة عملية قابلة للتكرار.
وإلى اليوم، لم يقدّم أي من المدّعين:
· تاريخًا موثقًا لعملية التهجين.
· أسماء المربين الذين قاموا بها.
· أو تجربة عينية تُظهر تهجين سلالتين معينتين والحصول فعليًا على حمام مطابق للسيفيانوس كما يعرفه المغاربة في مختلف مناطق المملكة.
وعند فتح باب النقاش الجاد معهم، يكون السؤال البسيط:
أعطونا تجربة عملية واحدة، تهجّنون فيها أي نوعين تختارونهما، وتكون النتيجة حمامًا مطابقًا للسيفيانوس المغربي شكلاً وصفات.
وهو تحدٍّ لم يستطع أحد الإجابة عنه، ما يؤكد أن تلك الادعاءات مجرد افتراضات غير مؤسسة علميًا.
وهم الربط بين السيفيانوس وبعض الأنواع الإسبانية
ومن أكثر الادعاءات غرابة، القول بأن حمام السيفيانوس هو نتاج تهجين بين:
· حمام بوشون رافينيو الإسباني.
· وحمام بوشون الكناري.
وهو ادعاء يسقط عند أول مقارنة بسيطة، حتى من طرف مبتدئ في تربية الحمام، لأن:
· الاختلاف المورفولوجي واضح وجذري.
· لا يوجد تشابه في بنية الرأس.
· ولا في شكل المنقار.
· ولا في القوام العام أو الوقفة أو التوازن.
بل وأكثر من ذلك، فإن كثيرًا من المؤرخين الإسبان أنفسهم، ومن خلال الاطلاع على الستاندارات الرسمية لبعض هذه الأنواع، يقرّون بأن عددًا من سلالات الحمام الإسبانية أُدخلت إلى شبه الجزيرة الإيبيرية عبر العرب والمسلمين إبّان دخولهم إلى الأندلس، وليس العكس.
وحدة الذاكرة الشعبية عبر المدن المغربية
من النقاط الجوهرية التي يجب التوقف عندها، أن:
· أغلب المدن المغربية ربّت حمامًا متشابهًا جدًا في الشكل والصفات.
· وتتوفر لدى المربين ذاكرة واحدة مشتركة حول هذا الحمام.
· مع وجود اختلافات بسيطة جدًا، مثل: طول الحمامة، وحجم الجسم بشكل طفيف، أو درجة بروز بعض الصفات.
وهذه الفوارق تبقى طبيعية ومألوفة في جميع السلالات الأصيلة عبر العالم، ولا تعني أبدًا اختلاف السلالة، بل تؤكد تأقلمها مع البيئة والمناخ وطريقة التربية المحلية.
ومن غير المعقول منطقيًا ولا علميًا أن يكون حمام ناتج عن تهجين قد:
· انتشر في جميع المدن المغربية.
· واستقر بنفس الشكل العام.
· وحافظ على نفس الصفات عبر أجيال طويلة.
انتشار السيفيانوس في البوادي والقرى: الدليل الحي على الأصالة
من أهم المعطيات التي يتجاهلها من يروجون لفكرة التهجين، أن حمام السيفيانوس المغربي لم يكن حكرًا على المدن فقط، بل كان – ولا يزال – موجودًا في البوادي والقرى والمناطق الجبلية، حيث ربّاه الفلاحون والبسطاء بنفس الشكل والصفات المعروفة في الحواضر.
وهذا المعطى وحده كافٍ لنسف فرضية التهجين من أساسها، لأن:
· القرى والبوادي لم تكن فضاءً لتجارب التهجين المنظم.
· ولا تتوفر فيها شروط استيراد سلالات أجنبية أو تتبع برامج تهجين دقيقة.
· ومع ذلك نجد نفس الحمام، بنفس الهيئة العامة، وبنفس الصفات المورفولوجية.
إن وجود حمام السيفيانوس في القرى منذ عقود طويلة، وانتقاله بالوراثة البسيطة بين الأجيال، يؤكد أنه حمام محلي متجذّر، تشكّل وتطوّر طبيعيًا داخل المجال المغربي، وتعايش مع الإنسان المغربي في المدينة والبادية على حد سواء. تاريخه شفهي متواتر، لكن حضوره مادي وأصالته ثابتة.
ولو كان هذا الحمام ناتجًا عن تهجين حديث، لما أمكن له:
· أن ينتشر بهذه السعة الجغرافية.
· وأن يستقر بنفس الملامح.
· وأن يُحافظ على وحدة شكله في البيئات المختلفة.
نحو توثيق الإرث وحمايته
إن الجهود الحالية لتوثيق مواصفات هذا الحمام ووضع مبادئ تربية موحدة له، إنما هي خطوة لتثبيت وإعلان إرث موجود أصلاً، وليس "اختراعًا" لشيء جديد. فهي ترجمة للذاكرة الجماعية والممارسة التراثية إلى إطار حفظ وتطوير، يؤكد أن حمام السيفيانوس هو إرث وطني حي، وليس نتاج فرضيات عشوائية أو تأويلات غير مؤسسة.
مع تحياتي لكل مولوع مغربي حر غيور وشغوف بموروث بلاده
" كتبه عثمان لوفت القراصنة "

تعليقات
إرسال تعليق